أبو علي سينا
4
الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )
وأقول : الطالب السالك يرى في بدو سلوكه [ 1 ] أن مطالبه إنما تتحصل بسعيه وبكده وبتوفيق الله تعالى إياه في ذلك ، وهو جعل الأسباب متوافقة في التسبيب ، ثم إنه إذا أمعن في السلوك ، علم أنه لا يقدر على السلوك إلا بهدايته تعالى إلى الطريق السوي ، وإذا قارب المنتهى ظهر له أنه ليس فيما يحاول من الكمالات إلا قابلا لما
--> [ 1 ] قوله « الطالب السالك يرى في بدو سلوكه » : الطالب السالك لتحصيل المعارف الإلهية والعلوم الحقيقة . لسلوكه وحركته الفكرية ثلاثة أحوال ، بداية ، ووسط ، ونهاية ، وفي مبدء سلوكه يرى أن مطالبه العلمية إنما يحصل منه ، لكن حصولها منه يتوقف على التوفيق ، وهو جعل الأسباب المعدة لحصول العرفان مجتمعة متوافقة في التسبيب ، ثم إذا غاض لجة السلوك ورأى تعدد الطريق إلى مطالبه واختلافها في التأدية وعدمها ، والصواب والخطاء ، مع قصور قوته عن التمييز بينها والاهتداء إلى سواء الطريق ، يعتقد أنه عاجز عن السلوك إلا بهداية اللّه تعالى ، وإذا وصل إلى المنتهى يظهر له أنه ليس له أثر في تحصيل المعرفة سوى كونه قابلا لما يفيض عليه ، فله في كل حالة من الحالات اعتقادان : أما في الأولى فاعتقاد نسبة تحصيل المعارف اليه بالكلية ، واعتقاد شرطية التوفيق ، والأول خطأ ، والحمد على التوفيق الذي اعتقده بالاعتقاد الصحيح وأما في الثانية فاعتقاد نسبة الفعل اليه وإلى اللّه تعالى بالتشريك فقد اعتقد ان لنفسه في ذلك تأثير أو هو خطأ ، وأن للّه تعالى تأثيرا بحسب الهداية ، وهو اعتقاد صحيح . وفي الثالثة اعتقاد أنه قابل ، وان الفاعل في ذلك ليس الا اللّه تعالى وهما اعتقادان صحيحان ، فلما ألقينا الاعتقادات الباطلة في هذه الأحوال ، لم يكن السبب لنجح مرام الطالب إلا التوفيق في الحالة الأولى ، والهداية في الثانية ، والالهام في الثالثة ، فالشيخ عد هذه الأسباب الموصلة إلى المطالب في صدر كتابه ، تنبيها على أن الطالب الخائض فيه يجب أن يحمد اللّه تعالى على توفيقه للشروع فيه ويسأل الهداية والالهام حتى يحصل الفوز بميامنه . فان قلت : حكمه بان عند المنتهى يظهر له أنه ليس إلا قابلا ينافي حكمه بأنه يرى في كل حالة من الثلاثة أن للّه تعالى في كل ذلك تأثيرا ولنفسه تأثيرا إذ التأثر لا يطلق على القبول . فنقول : المراد من التأثير هاهنا أن يكون له دخل في تحصيل المعارف وهو يختلف قلة وكثرة بحسب اختلاف الحالات ، وتلخيص ما ذكره : أن من حاول تحصيل علم ما فما لم يكن موفقا من عند الباري للخوض فيه ، لم يتوجه إلى تحصيله ، ثم إذا شرع في اكتسابه احتاج إلى هدايته إلى الصراط المستقيم المؤدى إليه ، وإذا سلكه افتقر إلى الهامة الحق إذ لا دخل له في تحصيل العلوم إلا الاعداد لذلك فهي الأسباب الموصلة إلى المطلوب على ما هو حاصل ، ويسأل ما ليس بحاصل وما هو . والشيخ لما وفق لوضع مثل هذا الكتاب المشتمل على مطالب شريفة عالية ، حمد اللّه على حسن توفيقه لذلك ، ولاختلاف طرق تلك المطالب ، سأله هداية الطريق إليها ولان إفاضتها ليست إلا من اللّه الكريم سأله الهام الحق فيها ، وما ذلك منه إلا لتعليم المتعلم المستيقظ . م